الشيخ علي المشكيني

216

رسائل قرآنى

وقوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا « 1 » إمّا مقول للمرابين والجملة حاليّة ، أو أنّه مقول للَّه‌تعالى والجملة مستأنفة وقعت في مقام الجواب عن اعتراضهم . وهذا أولى ؛ لأنّ اللازم أو الأفصح في الجملة الحاليّة ذكر كلمة « قد » فالمعنى حينئذٍ أنّه كيف لا يعقل القوم الفرق بين البيع والربا وجعلوهما متماثلين ، مع أن اللَّه أحلّ هذا وحرّم هذا ، ولا يكون حكم اللَّه إلّاعن مصالح كامنة في ما أحلّ ومفاسد ثابتة فيما حرّم ؛ فذلك القول منهم إمّا عناد مع الجهل ، أو طغيان على اللَّه وتخطئة لحكمه وحكمته . وقوله تعالى : فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الظاهر كون هذا الكلام إلى آخر الآية أعمّ مورداً من العالم بالحكم المعاند له كما هو سياق ما قبله والجاهل له ، فيشمل من كان جاهلًا بالحكم فانتهى بسماعه ، ومن كان عاصياً فتاب ورجع باتّعاظ وانتصاح ؛ بل ظهور الكلام في المعاصي أقوى ، فتخصيص مورد الآية بالجاهل - كما ذكره بعض - غير ظاهر . وقوله تعالى : فَلَهُ مَا سَلَفَ ظاهره أنّ للمرابي ما سلف ممّا أخذ من أموال الناس رباء ، كان تالفاً أو موجوداً عنده ، معلوماً فيما بين أمواله ، أو إجمالًا ، أو غير معلوم . وعرفت أيضاً العموميّة من حيث علم الأكل بالحكم وجهله . ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى بعد آيتين : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا « 2 » ، فإنّ ظاهره عدم جواز أخذ الباقي من الربا والزيادة ، لا وجوب إعطاء ما أخذه وأكله منها . وكذا قوله بعده : وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ « 3 » فاللازم على المرابي أن لا يطالب غير رأس المال ويترك الزايد ، سواء أخذ رأس المال ، أم كان باقياً عند المدين وكان المأخوذ بعنوان الربح . ثمّ إنّ ظاهر الآية المبحوث عنها عموم الحكم وشموله لجميع الأقسام والمصاديق المذكورة للربا ، كما أنّ الموصول أيضاً في قوله ما سَلَفَ عامّ للربا في جميع الأقسام ؛ فإذا

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 275 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 278 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 279 .